محمد بن جرير الطبري

250

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم ، فقال عز وجل قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن وقتادة في قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ قالا : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون . وأما المسكنة ، فإنها مصدر المسكين ، يقال : ما فيهم أسكن من فلان وما كان مسكينا ولقد تمسكن مسكنة . ومن العرب من يقول تمسكن تمسكنا . والمسكنة في هذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة ، وهي خشوعها وذلها . كما : حدثني به المثنى بن إبراهيم . قال : ثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَالْمَسْكَنَةُ قال : الفاقة حدثني موسى ، قال ثنا عمرو بن حماد . قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ قال : الفقر . وحدثني يونس ، قالة : أخبرنا ابن وهب . قال : قال ابن زيد في قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ قال هؤلاء يهود بني إسرائيل . قلت له : هم قبط مصر ؟ قال : وما لقبط مصر وهذا ؟ لا والله ما هم هم ، ولكنهم اليهود يهود بني إسرائيل . فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلا ، وبالنعمة بؤسا ، وبالرضا عنهم غضبا ، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته وقتلهم أنبياءه ورسله اعتداء وظلما منهم بغير حق ، وعصيانهم له ، وخلافا عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قال أبو جعفر : يعني بقوله : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر ، يقال منه : باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء . ومنه قول الله عز وجل إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يعني : تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني . فمعنى الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ فحدث عليهم غضب من الله . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قال : استحقوا الغضب من الله . وقدمنا معنى غضب الله على عبده فيما مضى من كتابنا هذا ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ذلك " ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، وإحلاله غضبه بهم . فدل بقوله : " ذلك " وهي يعني به ما وصفنا على أن قول القائل ذلك يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها . ويعني بقوله : بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ من أجل أنهم كانوا يكفرون ، يقول : فعلنا بهم من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ، ويقتلون النبيين بغير الحق ، كما قال أعشى بني ثعلبة : مليكية جاورت بالحجا * ز قوما عداة وأرضا شطيرا بما قد تربع روض القطا * وروض التناضب حتى تصيرا